شهد مجال المراسلة تطورًا هائلًا خلال العقد الماضي، من تبادل الرسائل النصية البسيطة إلى منصات غنية بالوسائط المتعددة تُعزز التجارة والتواصل والتفاعل المجتمعي. وحتى أبريل 2025، لا يزال واتساب التطبيق الرائد بلا منازع في هذا المجال، بأكثر من 2.78 مليار مستخدم نشط شهريًا، ومن المتوقع أن يرتفع هذا العدد إلى 3.14 مليار بنهاية العام، وفقًا لبيانات ستاتيستا. ولكن مع تحول العالم الرقمي نحو الميتافيرس - وهو مزيج من الواقع الافتراضي والواقع المعزز والأنظمة الرقمية المترابطة - تواجه تطبيقات المراسلة مثل واتساب سؤالًا جوهريًا: كيف تحافظ على أهميتها في عصر يتجاوز فيه التواصل حدود الشاشات ويدخل في فضاءات ثلاثية الأبعاد غامرة؟ تستكشف هذه المقالة مسار واتساب في تكيفه مع الميتافيرس، حيث يمزج بين أحدث التقنيات ونقاط قوته الأساسية لإعادة تعريف مستقبل المراسلة. ترقبوا تحليلًا معمقًا للبيانات، وآراء الخبراء، وتوقعات مبنية على واقع اليوم.
الميتافيرس: أفق جديد للتواصل
الميتافيرس ليس منصة واحدة، بل شبكة مترامية الأطراف من العوالم الافتراضية حيث يعمل الناس ويلعبون ويتواصلون اجتماعيًا. وبحلول عام 2025، ستكون إمكاناته الاقتصادية هائلة، إذ تُقدّر شركة ماكينزي أنه قد يُولّد قيمة تصل إلى 5 تريليونات دولار بحلول عام 2030، 15% منها مرتبطة بالتواصل والتفاعل الاجتماعي. وتراهن شركة ميتا، الشركة الأم لتطبيق واتساب، بقوة على هذه الرؤية، حيث استثمرت 36 مليار دولار في شركة ريالتي لابز منذ عام 2019 لتطوير أجهزة الواقع الافتراضي والمعزز مثل سلسلة كويست. بالنسبة لواتساب، لا يُعدّ هذا مجرد تحوّل استراتيجي، بل فرصة للتطور من تطبيق دردشة ثنائي الأبعاد إلى بوابة لتجارب غامرة.
لا تزال المراسلة اليوم تعتمد على النصوص والصوت والفيديو، لكن عالم الميتافيرس يتطلب المزيد. فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة غارتنر عام 2024 أن 25% من الناس يتوقعون قضاء ساعة على الأقل يوميًا في الميتافيرس بحلول عام 2026، سواءً كان ذلك للألعاب أو الاجتماعات أو التسوق. ويتمتع تطبيق واتساب، بانتشاره العالمي الواسع - 5 مليارات عملية تنزيل على متجر جوجل بلاي وهيمنته على أسواق مثل الهند (487 مليون مستخدم) - بموقع فريد لسد هذه الفجوة. ولكن كيف سيندمج تحديدًا في عالم الصور الرمزية والمساحات الافتراضية والحوسبة المكانية؟
مؤسسة واتساب التكنولوجية للميتافيرس
لفهم مستقبل واتساب، نحتاج إلى النظر في إمكانياته الحالية والبنية التقنية الأوسع لعالم الميتافيرس. يدعم واجهة برمجة تطبيقات واتساب للأعمال، التي ستتوسع لتشمل الوصول إلى تطبيقات الجوال في عام ٢٠٢٥، الوسائط المتعددة التفاعلية، وبرامج الدردشة الآلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتكامل السلس مع أنظمة الدفع. في الوقت نفسه، تُشكل إنجازات ميتا في مجال الواقع المعزز (عبر سبارك إيه آر) والواقع الافتراضي (عبر هورايزون وورلدز) اللبنات الأساسية للعبة الميتافيرس الخاصة بواتساب. إليكم كيف تتكامل هذه العناصر معًا.
1. المراسلة المعززة بتقنية الواقع المعزز: من المحادثات ثنائية الأبعاد إلى التفاعلات ثلاثية الأبعاد
بدأت تقنية الواقع المعزز بالانتشار في بيئة واتساب. ففي عام 2025، سيدعم التطبيق فلاتر الواقع المعزز لمكالمات الفيديو، وهي ميزة مستوحاة من إنستغرام، حيث يجربها أكثر من 100 مليون مستخدم شهريًا. لكن مفهوم الميتافيرس يتجاوز ذلك بكثير. تخيل إرسال هدية عيد ميلاد ثلاثية الأبعاد لصديقك - كعكة افتراضية يمكنه "فتحها" بتقنية الواقع المعزز باستخدام هاتفه أو نظارة ميتا كويست. إن قدرة واجهة برمجة تطبيقات واتساب على التعامل مع الوسائط المتعددة تجعل هذا ممكنًا، وبحلول عام 2027، قد نشهد رسائل واقع معزز حيث يعرض المستخدمون صورًا رمزية ثلاثية الأبعاد في أماكن حقيقية أثناء محادثاتهم.
هذا ليس مجرد خيال. من المتوقع أن تصل إيرادات تطبيقات الواقع المعزز إلى 35 مليار دولار بحلول عام 2025، وفقًا لـ Statista، كما أن حجم تطبيق واتساب - الذي يعالج 100 مليار رسالة يوميًا - يمنحه ميزة تنافسية على منصات الواقع المعزز المستقلة. بالنسبة للشركات، يعني هذا عروضًا توضيحية تفاعلية للمنتجات. على سبيل المثال، يمكن لوكالة بيع سيارات إرسال نموذج ثلاثي الأبعاد لسيارة ما ليتمكن العملاء من استكشافه بتقنية الواقع المعزز، مع إمكانية تجربة قيادة افتراضية في منازلهم. وتُظهر الشركات الرائدة في هذا المجال، مثل IKEA، من خلال معاينات أثاثها بتقنية الواقع المعزز، مدى الطلب على هذه التقنية: إذ تشير دراسة أجرتها Nielsen عام 2023 إلى أن 66% من المستهلكين أكثر ميلًا للشراء بعد تجربة الواقع المعزز.
2. دمج الواقع الافتراضي: واتساب كبوابة للميتافيرس
تُشكّل تقنية الواقع الافتراضي الركيزة الأساسية لعالم الميتافيرس، ويُعدّ دمج واتساب مع هذه التقنية خطوة طبيعية تالية. بحلول عام ٢٠٢٥، سيصل عدد مستخدمي منصة Horizon Worlds التابعة لشركة ميتا إلى ٣٠٠ ألف مستخدم نشط شهريًا، وهو عدد متواضع ولكنه في ازدياد مستمر. يمكن أن يُشكّل واتساب نقطة انطلاق مثالية، حيث يُتيح للمستخدمين الانضمام إلى غرف الواقع الافتراضي مباشرةً من خلال المحادثات. تخيّل مجموعة من الأشخاص يُخطّطون لمشاهدة فيلم، وبنقرة واحدة، تجتمع صورهم الرمزية في قاعة سينما افتراضية عبر رابط الواقع الافتراضي الخاص بواتساب، والمدعوم من منظومة ميتا.
بدأت هذه التقنية بالفعل بالانتشار. فخاصية التشفير التام بين الطرفين في واتساب، والتي تُعدّ ركيزة أساسية منذ عام ٢٠١٦، تمتد لتشمل مكالمات الواقع الافتراضي، ما يُعالج مخاوف الخصوصية التي تُؤرّق منصات الميتافيرس مثل ديسنترالاند. وبحلول عام ٢٠٢٦، من المتوقع أن تصل مبيعات نظارات الواقع الافتراضي إلى ٣٤ مليون وحدة سنويًا (بحسب مؤسسة IDC)، وتصميم واتساب الخفيف - على عكس تطبيقات الواقع الافتراضي المُثقلة - يجعله جسرًا سلسًا. بالنسبة للمستخدمين الذين لا يملكون نظارات، يُمكن لواتساب أن يُوفّر لهم "نافذة" ثنائية الأبعاد إلى عوالم الواقع الافتراضي، ما يضمن شمولية التطبيق لجميع مستخدميه المتنوعين.
3. تطور الصوت المكاني والصوت
لا يقتصر العالم الافتراضي على الجانب البصري فحسب، بل يشمل الجانب السمعي أيضًا. فالصوت المكاني، الذي يحاكي اتجاه الصوت في العالم الحقيقي، هو مفتاح التواصل الغامر. وتُعدّ خدمة الرسائل الصوتية في واتساب، التي استُخدمت 7 مليارات دقيقة يوميًا في عام 2024، جاهزة تمامًا لهذا التطوير. وفي عام 2025، بدأت تحسينات الصوت المدعومة بالذكاء الاصطناعي من ميتا بالظهور تدريجيًا في واتساب، مع تجارب أولية للمكالمات الصوتية المكانية، حيث يتغير الصوت مع تحرك الشخصيات الافتراضية في الغرفة الافتراضية.
بحلول عام 2027، قد يتحول هذا إلى ما يشبه جلسات دردشة جماعية افتراضية. سيتمكن الأصدقاء المنتشرين في مختلف أنحاء العالم من "الجلوس" حول نار افتراضية، مع انبعاث الأصوات من اتجاهات محددة لتعزيز الشعور بالتواجد. ويؤكد حجم السوق العالمي للحوسبة المكانية، الذي يُقدر بنحو 180 مليار دولار بحلول عام 2025 (بحسب MarketsandMarkets)، على هذا الطلب المتزايد. ويتمثل التحدي الذي يواجه واتساب في تحسين هذه التقنية للمناطق ذات النطاق الترددي المنخفض، وهو تحدٍّ يعمل على تجاوزه منذ انطلاقه.
4. الصور الرمزية والهوية الرقمية
تعتمد الاتصالات في الميتافيرس على الصور الرمزية - وهي تمثيلات رقمية للمستخدمين. وقد مهّد إطلاق ميتا للصور الرمزية ثلاثية الأبعاد القابلة للتخصيص عبر تطبيقاتها (إنستغرام، فيسبوك، واتساب) الطريق لذلك في عام 2024. وفي عام 2025، سيتمكن مستخدمو واتساب من إرفاق صور رمزية بملفاتهم الشخصية، والتي ستكون مرئية في المحادثات النصية أو مكالمات الفيديو. وبحلول عام 2026، ستتم مزامنة هذه الصور الرمزية مع بيئات الواقع الافتراضي، مما يسمح للمستخدمين بنقل هوياتهم الرقمية بسلاسة من المحادثات النصية إلى الاجتماعات الافتراضية.
يستغل هذا التحول الثقافي: إذ يُقدّر 70% من مستخدمي الجيل Z التعبير الرقمي عن الذات، وفقًا لتقرير سناب شات لعام 2023. وتجعل بساطة واتساب، التي تتجنب تعقيدات منصات مثل VRChat، استخدامه في متناول الجميع. ويمكن للشركات الاستفادة من ذلك أيضًا، من خلال استخدام صور رمزية تحمل علاماتها التجارية لتوجيه العملاء عبر واجهات المتاجر الافتراضية، وهو اتجاه بدأ يظهر بالفعل في Horizon Workrooms.
واتساب في اقتصاد الميتافيرس
لا يقتصر عالم الميتافيرس على التواصل الاجتماعي فحسب، بل هو سوقٌ أيضًا. فبحسب بنك جيه بي مورغان، من المتوقع أن تصل مبيعات السلع الافتراضية (كالأزياء الرقمية، والرموز غير القابلة للاستبدال، والملابس الرقمية) إلى 50 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2025. وتتطور واجهة برمجة تطبيقات واتساب للأعمال، التي تعالج حاليًا معاملات بقيمة مليار دولار عبر خدمة واتساب باي في الهند (2024)، لتواكب هذا التطور. ففي عام 2026، سيتمكن المستخدمون من شراء زيٍّ افتراضي لشخصياتهم أو تذكرة حفل موسيقي رقمية مباشرةً من خلال المحادثة، مع تأمين المدفوعات عبر تجارب تقنية البلوك تشين التي طورتها ميتا، مثل مشروع ديم.
بالنسبة للشركات، يُمثل هذا فرصة ذهبية. يمكن لعلامة تجارية للمجوهرات أن تُقيم متجرًا مؤقتًا بتقنية الواقع الافتراضي على واتساب، حيث يُمكن للعملاء تجربة قلائد بتقنية الواقع المعزز وشراء القطعة الحقيقية أو نسختها الرقمية. يضمن تكامل واجهة برمجة التطبيقات مع أدوات إدارة علاقات العملاء مثل Salesforce قابلية هذه التفاعلات للتوسع، بينما تتولى روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي معالجة الطلبات في الوقت الفعلي. بحلول عام 2027، قد تشمل 20% من حجم التجارة الإلكترونية عبر واتساب عمليات شراء مرتبطة بالواقع الافتراضي، مما يُدمج الاقتصادين المادي والافتراضي.
تحديات تلوح في الأفق
لن يكون التكيف مع الميتافيرس سلسًا. يُعدّ تبني الأجهزة عائقًا رئيسيًا، إذ لن تمتلك سوى 10% من الأسر الأمريكية نظارات الواقع الافتراضي بحلول عام 2025، وفقًا لشركة eMarketer. ويتعين على واتساب الموازنة بين الميزات المتطورة وسهولة الوصول لمستخدميه الذين يعتمدون على شبكة الجيل الثاني في أفريقيا وآسيا. كما تُشكّل الخصوصية تحديًا آخر؛ فبينما يحمي التشفير المحادثات، تُثير بيانات الميتافيرس (تتبع حركة العين، والحركات المكانية) مخاطر جديدة. وقد يُؤدي التدقيق التنظيمي، لا سيما في الاتحاد الأوروبي، إلى إبطاء طموحات الميتافيرس.
يُعدّ استهلاك الطاقة مشكلة كامنة. تُرهق تقنيات الواقع الافتراضي والمعزز بطاريات الأجهزة ومراكز البيانات، حيث ارتفع البصمة الكربونية لشركة ميتا بنسبة 40% بين عامي 2020 و2023. يُساعد التصميم المُبسط لتطبيق واتساب في التخفيف من هذه المشكلة، لكن توسيع نطاق الميزات الغامرة بشكل مستدام سيختبر قدرات الشركة الهندسية. ومع ذلك، تُشير ميزانية ميتا السنوية البالغة 10 مليارات دولار إلى التزامها بحلّ هذه المعضلات.
البيانات التي تقود هذا التحول
تُظهر الأرقام صورةً قاتمة. سيصل الإنفاق العالمي على تقنيات الواقع المعزز والواقع الافتراضي إلى 30 مليار دولار بحلول عام 2024، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 25% حتى عام 2030 (بحسب شركة برايس ووترهاوس كوبرز). وتُشير مكالمات الفيديو على واتساب، التي ارتفعت بنسبة 50% منذ عام 2020، إلى رغبة المستخدمين في تواصل أكثر ثراءً، وهو ما يُعدّ مثاليًا لدمجها في عوالم افتراضية. في الوقت نفسه، يُبدي 60% من المستهلكين فضولًا تجاه العوالم الافتراضية، وفقًا لدراسة استقصائية أجرتها شركة أكسنتشر عام 2024، كما أن ثقة المستخدمين بواتساب (بنسبة فتح رسائل تبلغ 98%) تُعطيه ميزة تنافسية على تطبيقات مثل تيليجرام وسيجنال.
رؤية واتساب للميتافيرس: مستقبل موحد
بحلول عام 2028، قد يصبح واتساب أكثر من مجرد تطبيق مراسلة، بل مركزًا لعوالم افتراضية متكاملة. تخيل مستخدمة تبدأ يومها برسالة نصية، ثم تنضم إلى حصة تمارين رياضية بتقنية الواقع الافتراضي عبر دردشة جماعية، ثم تتسوق في متجر بتقنية الواقع المعزز، كل ذلك دون مغادرة التطبيق. هذا التطور الذي يُشبه "التطبيق الشامل" يعكس هيمنة وي تشات في الصين، ولكن بنكهة عالمية. قد تجعل منصة ميتافيرس المتكاملة من ميتا - التي تربط واتساب وإنستغرام وهورايزون - منها واتساب العوالم الافتراضية.
بالنسبة للمستخدمين، يعني ذلك تواصلاً لم يعد سطحياً، بل نابضاً بالحياة، وتفاعلياً، وشخصياً. أما بالنسبة للشركات، فهي فرصة للتواصل مع العملاء حيثما كانوا: في الفضاءات الرقمية. ستضمن نقاط قوة واتساب - بساطته، وانتشاره الواسع، وموثوقيته - أنه لن يكتفي بالتكيف مع العالم الافتراضي، بل سيساهم في تشكيله.
في الختام، تمثل رحلة واتساب إلى عصر الميتافيرس مزيجًا من التطور والثورة. فمن خلال تبني تقنيات الواقع المعزز والواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي، باتت واتساب على أهبة الاستعداد لتحويل المراسلة إلى تجربة غامرة مع الحفاظ على جوهرها الأصيل. ومع تطور الميتافيرس، لن تكتفي واتساب بمواكبة التوجهات السائدة، بل ستساهم في صياغتها، مُثبتةً أن قوة التواصل تبقى هي الأساس حتى في عالم الصور الرمزية والفضاءات الافتراضية.
.png)
.webp)

